محمد بن عمر التونسي
92
تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان
يديك ، وإن عفوت فالأمر إليك . فقال السلطان : وما حملكم على ذلك ؟ قال : إنك أتيت بنا إلى هنا ، و [ أنت ] تعلم أن لنا في بلادنا أهلا وعيالا وأولادا ، قطعتنا عن رؤيتهم ، والتمتع بمعاشرتهم ، وليس لنا هنا شغل ، نعذرك في الإقامة بسببه ، ولسنا نراك ناويا أوبة ، ولا يطيب لنا عيش إلّا بمكاننا ، فأجلّ ما تصنع معنا ، أن تردّنا إلى أوطاننا ، فإنّ قلوبنا أنكرت الغربة ، وحنّت إلى الأوطان . [ شعر ] من الطويل : حنينى وأشواقى لأوّل تربة * « وأوّل أرض مسّ جلدي ترابها » لا سيّما وقد ورد عن سيّد ولد عدنان : « حبّ الوطن من الإيمان » . فلما سمع مقال ذلك الرجل ، عرف صدقه ، وخاف إن بطش بأحد منهم قامت عليه القيامة ؛ لأنهم معذورون في ذلك . فتخلّص منهم بأن قال : لا تستعجلوا « 1 » موتى ، فإني ميّت لا محالة ، لأنى مريض مرضا لا يمكنني إطلاعكم عليه ، وهو الذي يمنعني عن السفر ؛ فإن عافاني اللّه في هذه المدة رجعت بكم ، وإياكم أن تفعلوا مثل هذه والسلام . ثم إنّه بعد ذلك بأيام ، أظهر أنه مريض ، وصار لا يخرج إلى الديوان ولا ينظر في أحوال الناس ، مع أنه معافى الجسم ، ولم يعلم أنّ من ( 86 ) تمارض انقلب الهزل جدّا ، ومرض حقيقة ، وربما مات . وقد قال عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم : « لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا » . فانقلب عليه الدّست ، وحلّ به المرض والمقت ، وأيقن أنه هالك لا محالة .
--> ( 1 ) في الأصل : لا تستعجلون .